الاثنين، 24 يناير، 2011

الإسلام الجهــادى

عندما يصرح الساسه بالغرب أنهم لا يعادون الاسلام وانهم ليسوا ضد الإسلام كدين فإنهم يكونوا صادقين بوجه من الوجوه .. اذ لا مانع عندهم أبدا من ان نصلي ونصوم ونحج ونقضي ليلنا ونهارنا في التعبد والتسبيح والإبتهال والدعاء ولا مانع من ان نقضي حياتنا كلها في التوكل ونوحد ربنا ونمجده ونهلل له ..فهم لا يعادون الإسلام الطقوسي اسلام الشعائر والعبادات ولا مانع عندهم في ان تكون لنا الآخره كلها فهذا امر لا يهمهم ولا يفكرون فيهم ..بل ربما شجعوا على التعبد والإعتزال وحالفوا مشا يخ الطرق الصوفيه ودافعوا عنهم .. فعدائتهم وحصومتهم هي للإسلام الآخر

الاسلام الذي ينازعهم السلطه في توجيه العالم وبنائه على مثاليات وقيم اخري في التعامل ..الإسلام الذى ينازعهم الدنيا ويطلب لنفسه موقع قدم في حركه الحياه ..الإسلام الذى يريد ان يشق شارعا ثقافيا آخر ويرسي قيما أخري في التعامل ونماذج من الفن والفكر ..الإسلام الذي يريد ان ينهض بالعلم والإختراع والتكنولوجيا من اجل غايات اخري غير الغزو والتسلط والعدوان

انه الإسلام السياسي ..

الإسلام الذي يتجاوز الإصلاح الفردي الى الاصلاح الجماعى والحضاري والتعمير الكوني

هنا لا مساومه ولا هامش سماح بل هي حرب ضروس ..هنا سوف يطلق عليك الكل الرصاص بل ريما يأتيك الرصاص من قوي سياسيه داخل بلدك الإسلامي ذاته .. ولن يصبح للإسلام السياسي غلبه ولا صوت الا اذا انهار المعكسر الداخلى بالسوس الذي ينخر فيه بالداخل ...حينها سوف يفيق الكل ويكتشفون ان التكنولوجيا الهائله كانت مجرد بيت من الدمى واللعب المعدنيه والبلاستيكيه .. حينها سوف يدرك الكل ان الحضاره الغربيه كانت بلا روح وانها لم تكن تحمل بداخلها مقومات استمراريتها .. فالإسلام لدي الغرب نعم للعقيده .. لا للشريعه

الإسلام لدى الغرب نعم لتطبيق شرائع الله .. ولا لتدخل المسلمين بالسياسه ..

والمعركه مازالت دائره والرايه هذه المره هي الإسلام ..نكون او لا نكون ..فإن خروج الإسلام من الحياه وانحصاره في المسجد ثم يعقبه خروجه من المسجد ثم هزيمته الكامله ..

والحق الذي لا مراء فيه هو ان الإسلام لا يمكن ان يكون خصما للديمقراطيه .. فالديمقراطيه هي

" فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر "

" انما انت مذكر لست عليهم بمسيطر"

" ماانت عليهم بجبار"

هذه هي الديمقراطيه ونحن حمله لوائها ..ولو نص الإسلام على نظريه للحكم لسجنتنا هذه النظريه كما سجنت الشيوعيين ماركسيتهم فماتوا بموتها ..فالأفضل ان يكون هناك توصيات عامه ومبادئ عامه واطار عامه للحكم الأمثل

كالعداله الإجتماعيه ..الحريه .. الإمتثال للقانون .. ان يكون الحكم بالإنتخاب .. الشوري ..الخ

اما عن التفاصيل وكيفيه تطبيق هذه المبادئ فهذا امر سوف يخضع لمتغيرات التاريخ وإجتهاد الناس عبر العصور ليأتى كل زمان بالشكل السياسي الذى يلائمه ..

وبداخل الإجتهاد السياسي سوف تجد مردودا لا بأس به تأخذ منه وترد من ايام محمد عبده والافغانى ورشيد رضا والطهطاوي والكواكبي الى زمان مالك بن نبي وحسن البنا والمهدي بن عبود الى زمان الإمام الغزالى والشيخ الشعراوي ويس رشدي الى الدكتور محمد عماره وكمال ابو المجد ..

والكلام الأخر السخيف الذى يرفض الدوله الإسلاميه لانها دوله دينيه لم يفهم كلمه عمر بن الخطاب وابي بكر الصدق عندما قالا " ان أسأت فقوموني وإن احسنت فأعينوني "

لا عصمه لحاكم إذا ولا حكم إلهى في الإسلام .. انما هو حكم مدنى ديمقراطي يخطئ صاحبه ويرجح .. ونحن الآن في حاجه الى كتيبه تجدد الدين وتقاتل خصومه بأسلحه العصر لا بأسلحه القرن الأول الهجري ..

والجدير بالذكر ان الكثير عندما يقرأ هذا الكلام او يصل اليه المفهوم الذى اود ان اوصله للجميع وهو اننا لسنا في حاجه الى نظريات جديده تضع لنا المبادئ العامه للحكم ..فنحن عندنا الدستور الإسلامي بمبادئه الساميه الإلاهيه بل بحاجه الى إجتهاد سياسي نظيف يحفظ الدين ويقوم بسياسه الدنيا .. الكلام يبدو سهلا بالتأكيد ولكن تبقي قضيه الإسلام السياسي او الجهادي إشكاليه يكثر فيها الجدل ويتضح ذلك اذا بحثنا في الفكر السياسي الإسلامي الان واقصد في الفكر المعاصر سوف نجد الكثير من الأفكار تتنوع وتتباين من حيث الطرح ولكنها تصب في معين واحد وهو التمركز حول الدين كسبيل للتقدم السياسي .. فالحكم بمعني الخلافه هو الشاغل الأساسي للساسه المفكرين المنتمين للإسلام ومن ثم جاء الحديث حول اساليب الحكم ونظمه في ضوء نظره دينيه للمسأله السياسيه .. ولم يتم الإجماع حول تقديم حل لهذه المشكله ويشمل ذلك بالطبع النواحي التنفيذيه والتشريعيه .. فبينما أكد الطهطاوي على اللامركزيه في الحكم السياسي والإداري في الدوله العثمانيه ..نجد الافغاني يؤكد على الخلافه شرط تعريبها .. في حين ركز محمد عبده على الإستقلال القومي والوطنى بعيدا عن اى سلطه دينيه اما الكواكبي اعاد فكره الخلافه الاسلاميه مطالبا ان تكون عربيه اما رشيد رضا نادى بالخلافه المطلقه كشرط اساسي للتقدم وبين المركزيه واللامركزيه تبقي القضيه موضع حساس للنقاش والتوصل لرؤيه واضحه للحكم او الخلافه ..

ويمكننا ان نعرض افكار الطهطاوي كسبيل ودعوة لعدم غض النظر عن أفكاره التى ان عرفناها جيدا توصلنا ربما لحل جذري لهذه المشكله ..

رفاعه رافع الطهطاوي

كان الإتصال بالغرب في العالم الإسلامي سريع ومتواصل ففي عام 1833 بعث ابراهيم باشا الى السلطان محمود الثاني رساله يخبره فيها " ان محاوله النهضه لا تبدأ بتزويد الشعب بالملابس الضيقه والبنطلونات وكان الأولى بالباب الاعلي ان يهتم بتنوير الأذهان اولا "

وفي عام 1866 جاءت مجموعه من الاترك تنادي بتطوير قوانين الإمبراطوريه العثمانيه على النمط الاوروبي وفي مصر صعد الى الحكم اسماعيل باشا ابن ابراهيم باشا ذو الثقافه الفرنسيه وفي تونس ظهرت مجموعه من المصلحين وعلى رأسهم خير الدين التونسي وفي سوريا ولبنان لعب المسيحين الشوام دورا هاما في نقل الثقافه الفرنسيه الى الشرق الاوسط عن طريق الترجمه والصحافه فهم اول من نقل الصحافه الحديثه الى العالم العربي

وبدأت دعاوي الإصلاح تظهر وتناقش موضوعات واسئله هامه

مثل هل يجب الإقتصار على مبادئ الشريعه الإسلاميه ام يجب الاستفاده من الغرب وتجاربهم ؟ وهل الدين الحنيف يعارض الحضاره الغربيه

ومثل هذه الاسئله التى حاول كتاب النهضه في العالم العربي والإسلامي الإجابه عليها ..فمثلا ظهر في الدوله العثمانيه في ذلك الوقت كتاب مثل صادق رفعت باشا وضياء باشا ونامق كمال تنادي بالإنفتاح على الغرب مع الغحتفاظ بالقيم والتعاليم الإسلاميه وفي الحكم كانوا يطالبون بالديمقراطيه التى تأخذ بالنظام البرلمانى الحديث كإسلوب متطور لنظام الشوري بالإسلام .. وفي مصر كانت هناك مجموعه من المصلحين الذين نادوا ايضا بالإنفتاح على الغرب مع الإحتفاظ بالقيم والتعاليم الإسلاميه .. وعلى رأسهم رفاعه الطهطاوي ..

ولد الطهطاوي في نفس السنه التى غادر فيها الفرنسيون مصر ..من اسره فقيره ..التحق بالأزهر وكان تاثير الشيخ العطار عليه كبيرا فقد كان الشيخ على اتصال بعلماء الحمله الفرنسيه الذين اتوا مصر مع نابليون .. وعندما طلب محمد على باشا من العطار تعين إمام لكى يرافق البعثه التعليميه مده إقامتهم في فرنسا كان الطهطاوى هو الإام الذى اختاره الشيخ ..وبالرغم من ان الطهطاوي رافق البعثه كإمام الا ان السنوات الخمس التى قضاها هناك كانت اهم سنوات قضاها بحياته كلها ..فقد إستطاع رغم خلفيته الأزهريه ان يستوعب الفكر التنويري الأوروبي عند الإصتدام به وان يتفاع معه تفاعلا خلاقا يتماشي مع النهضه التنمويه التحديثيه التى كان يقودها محمد على .. فقد قام بدراسه اللغه الفرنسيه واتقنها إتقانا تاما في ثلاث سنوات وكان يستعين بمدرس خصوص على نفقته الخاصه وقام بقراءه وترجمه كتب في الفلسفه اليونانيه والأدب الفرنسي والشعر لراستين وكتب في الميثولوجيا والأخلاق والرياضه والقانون والفنون العسكريه ..

ولقد تركت الثوره الفرنسيه رواسب عميقه داخل نفسه بالرغم من تعليمه الأزهري السابق الا انه كان يعتقد ان المجتمع الصالح هو المجتمع المبنى على اسس العداله وان الهدف من الحكومات هو رعايه مصالح المحكومين وان الشعب لابد له من المشاركه في الحكم لذلك يجب اعداد افراد الشعب لهذا الغرض .. وكان يري ان القانون يجب ان يكون ديناميكيا متغيرا يتغير بتغير الظروف وان الحكام الصالحين في وقت ما ليسوا بالضروره صالحين في كل وقت وان حب الوطن هو اساس كل الأخلاق السياسيه ..

واثناء إقامته اتصل رفاعه بعلماء الحمله الفرنسيه وكانت حضاره مصر القديمه تملك عليه وجدانه وكان هذا يدل على فهم الطهطاوي العميق والمبكر لقضيه الأصاله والمعاصره وفهمه العميق لمعنى الكلمات التى خاطبه بها احد علماء الحمله الفرنسيه جومار انكم منتدبون لتجديد وطنكم الذى سوف يكون سببا في تمدين الشرق بأسره امامكم مناهل العرفان فإغترفوا منها بكلتا يديكم "

وعندما عاد الطهطاوي الى مصر نشر ملاحظاته في كتابه تخليص الإبريز في تلخيص بايز " وبه ملاحظات الطهطاوى عن الشعب الفرنسي كيف انهم محبون للنظافه وتعليم الأولاد وبهم شغف للمعغرفه والاطلاع وفي حياتهم اليوميه يثقون ببعضهم البعض ونادرا ما يخدع احدهم الأخر .. ويعتبر هذا الكتاب من اهم الكتب في ذلك الوقت فهو بحق اول نافذه يطل منها العالم العربي على الحضاره الاوروبيه والبيان الاول للبرجوازيه الناشئه ..كما انه اول كتاب يصف الفكر الليبرالي من ناحيته التطبيقيه والتنفيذيه

والى جانب عرضه لنظم الحكم الدستوريه واهم فصل بهذا الكتاب هو ترجمته للدستور الفرنسي دستور عام 1814 وبيان وثيقه حقوق الإنسان ..

ولقد كانت تراجم المشاهير بأمر من محمد علي فقد كان يحبهم ويحب معرفه سيرهم ويحاول تقليدهم .. اما اعمال فولتير وروسو ومونتيسكو وكوندياك وغيرهم فقد كانت لحاجه في نفس الطهطاوي

وبوفاه محمد على .. استهل عباس حكمه بتصفيه المدارس واغلاق المصانع وشرد عمالها واوقف العمل في القناطر الخيريه وجاهر بإحتقار الثقافه الغربيه وشرد اتباعها وعلى رأسهم رفاعه الطهطاوي

وبمجئ سعيد عاد الطهطاوى الى مكانته السابقه وبعهد اسماعيل إزداد نفوذ الطهطاوى حتى سمح له الإشتراك في وضع السياسه التعليميه في مصر ..

وفي اواخر حياته الف قائمه من الكتب وامضي فتره في تأليف كتاب عن تاريخ مصر والتعليم .. وكانت نظرياته في التعليم م تخرج عن اطار التعليم الإسلاميه فقد كانت أحاديث الصحابه في الكثير من كتبه .. ولكنه نظر اليها نظره مختلفه واعطاها معني جديد وعميق ذلك لان الحكومات في ذلك الوقت كانت حكومات اوتوقراطيه ومن الصعب تحويلها الى حكومات ليبراليه دفعه واحده ولذالك كان ينادي بالإصلاح التدريجي في نظام الحكم ..فالحاكم يجب ان تكون سلطاته مقيده بالقانون .. والحكومه يجب ان تكون مسؤله اما ممثلي الشعب

اما في مجال الشريعه فهو اول من اشار بفتح باب الإجتهاد السياسي وكان من رأيه انه لا تعارض بين الشريعه وبين القوانين الوضعيه ..اى انه يمكن تفسير الشريعه في ضوء متطلبات العصر ..واذا اراد رجال الدين تفسير الشريعه في ضوء العصر فعليهم ان يكونوا على درايه وفهم عميق لما يدور من حولهم ..

والعامه يجب تدريبهم على فهم حقوقهم السياسيه .. والحكام يجب ان تخاف الرعيه .. والعلاقه بين الحاكم والمحكوم يجب ان تكون علاقه حقوق وواجبات

فواجبات الفرد الإمتثال للقانون .. رعويه الدوله التى ينتمون اليها ..المواطنه وحب الوطن ..

وحقوقهم اطلاق الحريات .. فالحريه هي اساس المواطنه عند الطهطاوي والاهم هو حب الوطن فهو اساس بناء كل المجتماعات وهذا بالتأكيد ما وجده بفرنسا ..

تزيل ...

تكمن قيمه مايبدعه المفكرين في انهم يرون دائما مالايراه الإنسان العادي ..فهم عندما يتاملون ما حولهم ينظرون اليه نظره مختلفه وعميقه والأهم انها متميزه ومثمره ..

قد تبدا القصه بحلم مثلما بداها افلاطون في كتابه الجمهوريه ..او بتخيل مثلما فعلها رولز عن نظريته حجاب الجهاله اوبتمرد مثلما حققها ميكافيلي في كتابه الأمير ..او ربما بدهشه مثلما فعلها الططاوي في كتابه تخليص الابريز في تلخيص باريز

ومهما كانت الدوافع التى دفعت عقلهم ليسطر الإبداع بكل قوته الا ان الدافع الأول والشراره الأولى تكمن دائما بقلب الدهشه التى جعلتهم يخرجون عن القطيع فثار ضدهم الجميع ..نعتهم البعض بالمجانين واطلق عليهم الأخرون لقب ملحدين .. والصقوا التهمه بهم متمثلين في دور رجل اعمي لا يري ولا يبصر

قد تخرج افكارهم للنور لتغير فكره او تهدم حضاره متهالكه لتشيد صرح حضاره اخري ..قد تغوص تأملاتهم في اعماق النفس البشريه لتستخرج نظريات تقلب العلم رأسا على عقب ..

قد تتصادم افكارهم مع جميع السلطات ..قد تحرق مؤلفاتهم ..قد تسلب ارواحهم ..وقد يقضون بقيه حياتهم ببرد المنفي لينعموا بالسلام وسط افكار اقرانهم ..لكنهم دائما وأبدا سيظلون عظماء لم تنجب البشريه مثلهم

قصتنا بدات وإنتهت من دهشه مصلح عظيم ॥ وسياسي مرن .. ومفكر رائع .. كان ومازال دفعه قويه لكل المصلحين في عصره وفي كافه العصور حتى الأن .. آمن بحب الوطن كدافع اساسي لنهضه اى مجتمع وقيام أى حضاره .. بدأ بنشر افكاره عندما تصادم بخلفيته الأزهريه مع الحضاره الاوروبيه والفكر التنويري الغربي ..لم يكن الغرب بالنسبه له جانب معتم فقط بل كان ايضا له جانب المشرق الذى وظفه الطهطاوى بكل مرونه بداخل قالب اسلامي مراعيا حكومته الاوتوقراطيه وانها لن تتحول جذريا وبسرعه لحكومه حره او كما سماها ليبراليه ولذلك عمل على التدرج في نظام الحكم .. نادى بالكثير من الأفكار الليبراليه ولكن بمنظور اسلامي بحت حتى لا ينفر منها الجميع .. ولا يلقي حتفه بواسطه محمد علي الديكتاتور ف ذلك الوقت .. وبالرغم من ان القضيه التى نحن بصددها الآن حتما حساسه للغايه .. الا ان محاوله الطهطاوى واجتهاده العظيم لإصلاح وطنه مصر سياسيا وإداريا ساعدت الكثير ممن يبحثون عن نظريات سياسيه معتدله ومصلحه بداخل مجلد الإجتهاد السياسي الضخم الذى يكثر فيه الى الآن الجدل ..

كتبتها دكتوره جيلان صالح

ليست هناك تعليقات: